محمد متولي الشعراوي
766
تفسير الشعراوي
رمضان ، والحق سبحانه وتعالى يصطفى الأمكنة ليشيع اصطفاؤها في كل الأمكنة . وعندما نسمع من يقول : « زرت مكة والمدينة وذقت حلاوة الشفافية والإشراق والتنوير ، ونسيت كل شئ » . إن من يقول ذلك يظن أنه يمدح المكان ، وينسى أن المكان يفرح عندما يشيع اصطفاؤه في بقية الأمكنة ؛ فأنت إذا ذهبت إلى مكة لتزور البيت الحرام ، وإذا ذهبت إلى المدينة لتزور رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فلماذا لا تتذكر في كل الأمكنة أن اللّه موجود في كل الوجود ، وأن قيامك بأركان الإسلام وسلوك الإسلام هو تقرب من اللّه ومن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم . صحيح إن تعبدك وأنت في جوار بيت اللّه ، يتميز بالدقة وحسن النية . كأنك وأنت في جوار بيت اللّه وفي حضرة رسول اللّه تستحى أن تفعل معصية . وساعة تسمع « اللّه أكبر » تنهض للصلاة وتخشع ، ولا تؤذى أحدا ، إذن لماذا لا يشيع هذا السلوك منك في كل وقت وفي كل مكان ؟ إنك تستطيع أن تستحضر النية التعبدية في أي مكان ، وستجد الصفاء النفسي العالي . إذن فحين يصطفى اللّه زمانا أو مكانا أو يصطفى إنسانا إنما يشاء الحق سبحانه وتعالى أن يشيع اصطفاء الإنسان في كل الناس ، واصطفاء المكان في كل الأمكنة ، واصطفاء الزمان في كل الأزمنة ، ولذلك أتعجب عندما أجد الناس تستقبل رمضان بالتسبيح وبآيات القرآن وبعد أن ينتهى رمضان ينسون ذلك . وأقول هل جاء رمضان ليحرس لنا الدين ، أم أن رمضان يجئ ليدربنا على أن نعيش بخلق الصفاء في كل الأزمنة ؟ وقوله الحق : « كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ » يدلنا على أن المسلمين ليسوا بدعا في مسألة الصوم ، بل سبقهم أناس من قبل إلى الصيام وإن اختلفت شكلية الصوم . وساعة يقول الحق : « كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ » فهذا تقرير للمبدأ ، مبدأ الصوم ، ويفصّل الحق سبحانه المبدأ من بعد ذلك فيقول :